ابن قيم الجوزية

199

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يتخذها دأبه . وعلى هذا يكون استثناء « اللمم » من الاجتناب إذ معناه : لا يصدر منهم ، ولا تقع منهم الكبائر إلا لمما . والجمهور على أنه استثناء من الكبائر ، وهو منقطع . أي لكن يقع منهم اللمم . وحسّن وقوع الانقطاع بعد الإيجاب - والغالب خلافه - أنه إنما يقع حيث يقع التفريغ . إذ في الإيجاب هنا معنى النفي صريحا . فالمعنى : لا يأتون ولا يفعلون كبائر الإثم والفواحش . فحسن استثناء اللمم . ولعل هذا الذي شجع أبا إسحاق على أن قال « الذنوب كلها كبائر » إذ الأصل في الاستثناء الاتصال . ولا سيما وهو من موجب . ولكن النصوص وإجماع السلف على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر . ثم اختلفوا في فصلين : أحدهما : في « اللمم » ما هو ؟ والثاني : في « الكبائر » وهل لها عدد يحصرها ، أو حدّ يحدها ؟ فلنذكر شيئا يتعلق بالفصلين . آراء السلف في اللمم فأما « اللمم » فقد روي عن جماعة من السلف : أنه الإلمام بالذنب مرة ، ثم لا يعود إليه . وإن كان كبيرا « 1 » . قال البغوي : هذا قول أبي هريرة ، ومجاهد ، والحسن ، ورواية عطاء عن ابن عباس . قال : وقال عبد اللّه بن عمرو بن العاص : « اللمم ما دون الشرك » قال السدي : قال أبو صالح : سئلت عن قول اللّه عزّ وجلّ « إلا اللمم ؟ » فقلت : « هو الرجل يلمّ بالذنب ثم لا يعاوده » فذكرت ذلك لابن عباس فقال : « لقد أعانك عليها ملك كريم » . والجمهور : على أن « اللمم » ما دون الكبائر . وهو أصح الروايتين عن ابن عباس ، كما في « صحيح البخاري » من حديث طاوس عنه قال : « ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه كتب على ابن آدم حظّه من الزنى . أدرك ذلك لا محالة . فزنى العين : النظر . وزنى اللسان : النطق . والنفس تمنّى وتشتهي . والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه » رواه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة . وفيه « والعينان زناهما : النظر . والأذنان : زناهما الاستماع . واللسان : زناه الكلام . واليد : زناها البطش . والرّجل : زناها الخطى » . وقال الكلبي : « اللمم » على وجهين . كل ذنب لم يذكر اللّه عليه حدّا في الدنيا . ولا عذابا في الآخرة . فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ، ما لم يبلغ الكبائر والفواحش . والوجه الآخر : هو الذنب العظيم ، يلمّ به المسلم المرة بعد المرة . فيتوب منه . قال سعيد بن المسيب : هو ما ألمّ بالقلب . أي ما خطر عليه . قال الحسين بن الفضل : « اللمم » النظر من غير تعمد . فهو مغفور . فإن أعاد النظر . فليس

--> ( 1 ) معرفة لغة العرب . وضم الآيات والنصوص إلى بعضها ، مثل قول اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 ) [ الأعراف : 201 ] وأخواتها يدل على أن « اللمم » هو الذنب مهما كان يسارع المؤمن إلى التخلص منه وانتزاع نفسه منه ، كرها له ، ورغبة في الإنابة والرجعة إلى اللّه ربه . والأظهر : أن الاستثناء متصل .